الحاج حسين الشاكري
9
موسوعة المصطفى والعترة ( ع )
فعمد أخيراً هارون الرشيد إلى اعتقاله وزجّه في ظلمات المطامير وزوايا السجون بعدما أشخصه من مدينة جدّه إلى العراق ، وحبسه في البصرة ثمّ في بغداد سنين متمادية يعاني فيها الحرمان والاضطهاد والتعسّف والآلام ويتجرّع الغصص والخطوب ، ولم يؤثر عنه أنّه أبدى أيّ تذمّر أو شكوى ، أو جزع ممّا ألمّ به ، وإنّما كان العكس من ذلك ، تراه يبدي شكره لخالقه ، الذي طالما دعاه أن يفرّغه لعبادته ، وانقطاعه لطاعته . وإذا استعرضنا جانباً من حياة إمامنا المفدّى ( عليه السلام ) فإنّنا نجد أنفسنا أمام تراث زاخر ضخم ، ونفس مشرق يفيض بالخير والجمال ، يحمل العطاء السخيّ ، والتوجيه الصائب للأُمّة . كما قام إمامنا الفذّ ( عليه السلام ) بإدارة شؤون الجامعة العلمية بعد أبيه الإمام الصادق ( عليه السلام ) التي أسّسها بعد أبيه ، والتي تعتبر أوّل مؤسّسة ثقافية في الإسلام ، وأوّل معهد تخرّجت عليه كوكبة من فطاحل العلماء ، منهم أصحابه والرواة عنه وتلاميذه ، ومنهم أئمّة المذاهب الإسلامية ، وامتدّ إشعاعها إلى العصور الصاعدة ، وهي تحمل روح الإسلام وهديه . أمّا عبادته وتهجّده فقد أجمع المؤرّخون والمترجمون له أنّه كان من أعظم الناس طاعة ، وأكثرهم عبادةً لله تعالى ، فكانت له ثفنات كثفنات البعير في مواقع سجوده من كثرة السجود ، كما كانت لجدّه الإمام السجّاد زين العابدين ( عليه السلام ) من قبل ، حتّى لُقِّب بذي الثفنات ، وقد بهر أعداءه قبل مواليه ، وبهر العقول بكثرة علمه ، وصبره وعبادته وتهجّده حينما كان في السجن ، فكان يصوم نهاره ، ويقوم ليله ساهراً في محراب عبادته لله . وقد أدلى هارون الرشيد عندما شاهده في سجن الفضل بن الربيع بحديث